عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
35
اللباب في علوم الكتاب
قالوا : لأنّها إذا طلبته حملت فولدت فدرّت . قوله : وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ إن جعلنا « جعل » تصييرية « 1 » كان « تجري » مفعولا ثانيا ، وإن جعلناها إيجاديّة كان حالا . و « مِنْ تَحْتِهِمْ » يجوز فيه أوجه : أن يكون متعلّقا ب « تجري » ، وهو أظهرها ، وأن يكون حالا ، إمّا من فاعل « تجري » ، أو من « الأنهار » ، وأن يكون مفعولا ثانيا ل « جعلنا » ، و « تجري » على هذا حال من الضمير في الجارّ ، وفيه ضعف لتقدّمها على العامل المعنويّ ، ويجوز أن يكون « مِنْ تَحْتِهِمْ » حالا من « الأنهار » كما تقدّم ، و « تجري » حال من الضمير المستكنّ فيه ، وفيه الضّعف المتقدّم « 2 » . فصل [ في أن المراد من قوله : وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ كثرة البساتين ] المراد من قوله : وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ كثرة البساتين ، والمعنى أنهم وجدوا من منافع الدّنيا أكثر مما وجده أهل « مكّة » المشرفة ، ثمّ مع هذه الزيادة في العزّ ، وكثرة العدد والبسطة في المال والجسم لمّا كفروا فجرى عليهم ما سمعتم من إهلاكهم ، وهذا يوجب الاعتبار . فإن قيل : ليس في هذا الكلام إلّا أنهم هلكوا إلّا أن الإهلاك غير مختصّ بهم ، بل الأنبياء والمؤمنون كلهم أيضا قد هلكوا فكيف يحسن إيراد هذا الكلام في معرض الزّجر عن الكفر مع أنه يشترك فيه الكافر والمؤمن ؟ . فالجواب : ليس المقصود منه الزّجر بمجرد الموت والهلاك ، بل المراد منه أنهم باعوا الدّين بالدنيا ؛ فعوقبوا بسبب الامتناع من الإيمان ، وهذا المعنى غير مشترك بين الكافر والمؤمن « 3 » . فإن قيل : كيف قال : « أو لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا » مع أنّ القوم ماتوا مقرّين بصدق محمد صلى اللّه عليه وسلم فيما يخبر به عنه ، وأيضا فهم لم يشاهدوا وقائع الأمم السّالفة ؟ فالجواب : أنّ [ أقاصيص المتقدمين مشهورة بين الخلق فيبعد أن يقال إنهم ما سمعوا أخبارهم ، ومجرد سماعها يكفي في الاعتبار . فإن قيل : أي فائدة في ذكر إنشاء قرن آخرين بعدهم ؟ فالجواب : أن ] « 4 » فائدته التّنبيه أنّه لا يتعاظمه إهلاكهم وإخلاء بلادهم منهم ، فإنه قادر على إنشاء آخرين مكانهم يعمّر بهم بلاده ، كقوله : وَلا يَخافُ عُقْباها [ الشمس : 15 ] .
--> استوبلت استيبالا ، ويقال أيضا : استذرت المعزى استذراء من المعتل ، بالذال المعجمة ، اللسان : « درر » 1358 . ( 1 ) في ب : تفسيرية . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 3 / 13 . ( 3 ) ينظر : الرازي 2 / 132 . ( 4 ) سقط في أ .